من نوافذ بيتنا
شعور غريب، إيحاء مريب قادني إلى النافذة ...
خطوات مثقلة بالتساؤلات، قطعتها بوهن الخائف من المجهول، وشوق المغامر لمعرفة ما وراء الحجب..
ستارا طالما تقاصرت يدي عن فتحه ، لا أدري أعاجزة أم مهملة؟ وهاهي اليوم تزيله مرتعشة..
صوت فتح النافذة ، يعيشني الخوف، وكأني أفتح باب خشبي في بيت مهجور الروح مع وجود الحياة ..
هذا هو أول ما رأته عيني، نورا بعيد جدا، نورا متوهجا ما لبث أن بدأ يخبو، بدأ لي من دون النور وبالقرب منه أشباحا تعلو وتنزل ، تظهر وتختفي، في منظر مخيف فهمت أنهم يريدون ليطفؤا ذلك الشعاع...
حدقت ببصري، وكلما دققت أكثر، نقضت فهمي الأول لذلك النور وتلك الأشباح، فأعود أدقق، ثم أؤيد ما فهمته حول النور والأشباح ..
بدأ الخوف يتسلل إلي..
يا إلهي إنهم يقتربون، بل أكثر ، ها هي ملامحهم، صراخي المدوي، فإغلاق النافذة ..
ألقيت بثقلي على سرير أمي، التي وصلت للتو، ترتمي علي، تهدئ من روعي، تذكر اسم الله علي " على طريقة الآباء"..
بدأت أهدأ، وعادت السكينة على جوارحي، إلا قلبي وعقلي في حمحمة معركة التفكير يصولان..
*****
وبشعور الشوق لمعرفة الخبر، وبحب استطلاع الشباب، أتقدم بخطوات مترددة، وبحذر أصغت فيه كل جوارحي لتعرف الخبر، فتحت نافذة أخرى في الجهة الأخرى..صورة بعيدة لكن غير الصورة الأولى، وإن كان بينهما تشابه، نار تصل بألسنتها عنان السماء، تدوم قليلا ثم تنطفئ شيئا فشيئا، ثم صوت على بعده أسمعه ، فيتطاير ما حول النار كتطاير الفراش حول النار. طيور تحوم في السماء، ثم تغيب، أنوار وأصوات ، سعي وفوضى، صياح وعويل هي ما فهمته من هذا الحدث..
جمدت مكاني، وشخصت عيناي تراقب المشهد، وقطع تركيزي شيء يسقط من السماء، صوتٌ أرعبني دويه، ونورٌ كاد لشدته يخطف بصري، الرعب والخوف، وصحيتي المدوية، فإغلاق النافذة بقوة المرهوب.
عدت أدراجي، لا تكاد تحملني قدماي، ألقيت بجسدي على سرير أمي الحنون، ويديها وهي مرعوبة تسابق جسدي ، تصيح بي ، ما بك ماذا حل بك؟ وتعيد دواءها الخاص "باسم الله عليك ، اسم الله عليك"، سكت وكان في سكوتي الجواب...
*****
غفوة سرقة عيني ، وأهلي يحيطون بي، وكلهم يتساءل ، ماذا أصاب الولد " الذي أشغلنا بتلك الهموم"؟ .....استيقظت من غفوتي، سلمت على رأسي أمي، طمأنتها وبقبلة ودعتها ..
حملت مخلاتي وبخطوات المغامر خرجت مع الباب، بدلا من النافذة أستيقن الأمر..
حياة الناس على طبيعتها، بين منهمك في عمله، وغاط في نومه، ولاه في دنياه، وعاطل يتصارع مع الفراغ، ومهموم يقاوم الأحزان...
سألت عما صورَّته عيناي، فلم أجد جوابا ...
عدت أدراجي، أحمل في جعبتي ألف تساؤل، بلا أدنى إجابة ..
عدت للبيت، رجعت إليَّ أحداث النوافذ سريعة مخيفة، قررت الهرب من واقعي ، وإلى الغابة المطلة على البحر توجهت، أستمتع وأتفكر وأزيل تلك المناظر، وأدون أفكاري وخواطري..
طالت بي المتعة حتى رأيت الشمس تسقط في البحر وكأنها تغتسل، وتزيل بماء البحر ما رأته من فجور بني آدم ...
*****
لم أرى في سواد ظلمة الأدغال إلا بياض عينيه ، وعقد أسنانه وهو ينادي بنداءات وصلت مسمعي ففجرَّته خوفا وهلعا، وبصوت اخترق أضلعي وانتزع لبي وأطار بما تبقى من صوابي ، "هذا هو حاصروه ، أحكموا عليه الخناق ، اقبضوا عليه...ترقبوني في الحلقة القادمة
















