
صباح جديد في حياة طبيب الإمتياز الجديد
و يوم كسائر أيام عملي في العيادة
وصلت قبل موعد المريض الأول بوقت قليل ، فالأطباء يجب أن يسجلوا حضورهم قبل الكل ، ولا ينصرفوا إلا بعد انصراف آخر مريض
هاهو الرجل المسنّ يجيء لموعده متأخرا كالعادة
كيف لا يتأخر و هو الذي تم تحويله لي قبل يومين عبر أحد معيدي الكلية الذي أحضره إلى عيادتي مسلما بيدي ملفه و مكثرا " الوصايا "
الجمل المعتادة التي تقال لكل مريض
" تفضل استريح "
" كيف أسنانك اللي عملتها من أول؟ فيها مشاكل؟ "
" السن الفلاني فيه كذا و كذا ، واليوم ح نضبطه لك عشان بعدها تسوي كذا و كذا "
بدأت عملي الذي جرى حسب المعتاد ، تحضير و حشو قناة تتوسط جذر الضاحك الأول ، الذي يشغل حيزا صغيرا من الجهة اليمنى لفك المريض السفلي
ها قد أقفلت القناة بحشوة وردية أحسبها ، لولا أن فتياات عصري أبين إلا أن يخلقوا العديد من الأسماء لمعظم الألوان لا و لن أحصيها ، فليعذرنني إن لم أنعت مادة – القاتابيرشا – بلونها الصحيح
بقي أن أحسن سدّ الفتحة التي أحدثتها مثاقيبنا المتناهية الصغر ، وهل هناك حل أسرع من الحشوة المؤقتة ؟
حاصرتها برؤوس أصابعي التي تناوبت على تكويرها حتى أصبحت جاهزة للصب ، ولكن مــــــهــــــلا
غريب أمري هذه المرة ، و هذه الزيارة لهذا المريض بالذات
أقسم أني شارفت على إنهاء ما يربو على النصف ساعة من عملي دون أن تلمس أناملي تلك الساحرة التي لا غنى لأي طبيب أسنان عنها
أيعقل أني لم أستخدم المرآة مذ بدأت عملي ؟؟
صحيح ، فكون السن سفليا لم ألجأ إليها للنظر فيما يحتويه
ولأنه يشغل ناحية يمنى من فم المريض فلم أحتج تلك الساحرة في إبعاد خده عن محيط عملي
وكوني عزلت السن تماما فلم أحسب للسانه أي حساب
إذا أنا على وشك إنهاء أول جلسة علاج لسن مريض دون اللجوء لمستديرة الرأس تلك ، دعني أنهي ما بدأته و أفخر بإنجازي هذا أمام الأقران
هاهي الحشوة المؤقتة تحكم إغلاق السن و تغطيه من جميع الأنحاء
دعني أسوي سطحها العلوي ليبقى بعيدا عن الاحتكاك بسطح السن المقابل لها
هاهو الجدار الخدّي يحظى بملمس ناعم وبدون أي زوائد
بقي الجدار اللساني ، يجب أن أتأكد من خلوه من أي زوائد من المؤقتة ، سيما لو كانت محشورة بين جدار السن و اللثة
حركت رأس أداتي بأصابعي نحو جدار السن اللساني لأسويه ، لكن ما هذا ؟ لا أرى منه شيئا
رفعت رأسي قليلا وحنيته ، لا شيء !!
بالغت في الإنحناء و كانت النتيجة ذاتها !!
إذا ما الحل ؟ كيف لي أن أصل بنظري إلى ما وراء تلك التحدّبات ؟ و في قلب بقعة تحتلكها العتمة ؟
فكرت قليلا ثم همست لنفسي: " يبدو أني سأتنازل عن إنجاز ما كنت على وشك إنجازه ، فهاهي المرآة تنظر لي بعينها المستديرة نظرة إعجاب بذاتها ، و إزدراء لحالي ، فقد غدت واثقة أني لا أقوى على عمل شيء دونها "
هل أتناولها ؟ أم أن حشوة مؤقتة لا تستحق إهتماما كهذا ؟
يا الله ! هذا ما كان يحذرنا منه أغلب معلمينا ، ألا نستخف بعمل ثم نهمله ، مهما كان حجمه
سأقوم بذلك ، فالمهم أن أنجز عملي بإتقان
أمسكتها بيد عنيفة و عملت ما توجّب عليّ عمله بسرعة ، ثم قذفتها بعيدا فاستلقت في الجعبة مع أخواتها من الأدوات
حركت الكرسي لوضع الجلوس ، و خلعت قفازاتي ولم يكن يدر بخلدي حينها سوى جملة ، وددت أن أهمس بها في أذن صاحبة الرأس الزجاجية:
" عجبا لأمركـ ، لن أفعلها ثانية و أجعلك حبيسة دكة الإحتياطيين ، فمن الآن حُقّ لك أن تكوني عيني و دليلي "
خذ يا والدي ، هذا موعد عشان الحشوة الدائمة و ألف سلامة عليك . . أ. هـ
*ومضـــة :
- إن أردتم تجربة ذلك ، فجرب عزيزي أن تقود سيارتك دون اللجوء للمرايا ، أو جربي أن تضعي المكياج على وجهك دون النظر للمرآة . . .



















