حريتان
قبل إحدى وتسعين عاما، كسرت القيود، وحطمت الأقفال، وانطلق السجناء لعالم الحرية !!!!
في عام 1919، استبشر العالم، وهتفت وسائل الإعلام، ونشرت الصور، وباركت الصحافة، وصاح العالم مباركا لأهل البلدة بالحرية؟!!!!
قبل تسعة عقود، دخلت البلاد الحرية، بدون أن تراق قطرة دم، ولا أن تقف البندقية ثرثارة تلقي خطبتها، لأنها الحرية، وكفى بالحرية مبتغى!!!!
هناك في بلاد العلم والحضارة، على بقعة أريقت فيها دماء الشهداء، وأبناء الثورات والبطولات، هناك حيث انطلقت آخر الجيوش لتنقذ العالم الإسلامي وهو في رمقه الأخير مرات عدة، ومن بلدة أرسلت للعالم من قبسها نور نار لعلهم به يصطلون !!!!
من على ضفاف ذلك النهر قُيدت الحرية، وأُحكمت الأغلال، وقٌهرت الشعوب، وفي عام 1919، ولما خاب رجالها عن فك القيود، ظهر النساء في ميدان التحرير، وكسرن قيودهن وحطمن قضبان سجونهن، على يد قائدتهن هدى شعراوي، لتنزع حجابها، وتُمزق غطائها ،وتدوس على جلبابها، وتعلن الحرية كما أرادت على تفسير اليهود والنصارى والمنافقين....
فتنال بذلك الخسة والدناءة وتدخل التاريخ من أوسخ أبوابه، قاتلها وجزاه ما تستحقه من عقابه..
وبعد إحدى وتسعين عاما، وعلى نفس الميدان ، انتفض الشعب المقهور، وثارالشباب المظلوم، وتُفجرت براكين الغضب، وتزلزلت صفيحة الاستقرار.
للحرية يسعون ، ولكسر القيود يحاولون، ولفك الأغلال يصيحون، وبحقهم يطالبون، ولرفع الظلم ينشدون، وبالسلم يحتجون، شباب أعزل رفع صوته، وأشار بيد بيضاء، يرجوا الحق والعدل الذي اختفى منذ ثلاثين عاما ولم يعد...
ولكن حريتهم هذه المرة لم تنال بسلام...
غارت في الأجساد الجراح، وسالت الدماء على البطاح، وسفكت الأرواح، وأصبح الآمن مستباح، عمت الأتراح، واختبأت الأفراح. تنتظر صوت الظالم يرتفع يضمد بوعده متعفن الجراح، فخرج كبرق خُلِّب، يسبك العبارات، ويلقي جوفاء الكلمات، ويعد مواعيد عرقوب بحرية زعمها منذ بعيد السنوات...
فيا ترى ما السر بين الحريتين؟ ما الفرق بين الميدانين؟
أليست كلها تسمى ميدان التحرير؟
ألم تحرر النساء الفاسدات أنفسهن من نفس الميدان؟ ألقوا ما لقاه الشباب المعتصم من جور وتعسف وإذلال؟
لا لا لا، قف، وانظر بعين البصيرة ملك الحِلم.
فحرية ذاك الزمان، حرية باركها الشيطان والاستعمار وقوى الطغيان. لأنها ثورة على القيم والمبادئ والأخلاق، أما حرية اليوم فهي حرية ضد قوى الإفساد والاستبداد ونهب الخيرات، وسرق الثروات، والتآمر على الدين والعلماء والشعب،وترسيخ الفقر والجهل ومختلف الأمراض...
فوقف العالم المادي في وجهها، ولكن من كان الله معه فلن يخيب، وكم من قائم يدعو ربه، فأجابه الله ( وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)
وستبقى سنن الله تسري في هذا الكون، فالأيام دول، والله غالب على أمره.
اللهم كن لإخواننا في أرض الكنانة، وارحم حالهم، و الطف بهم يا رب
ملك الحِلم
5/3/1432 هــ
* *كُتب هذا المقال قبل سقوط النظام. وكانت وقفات في دروب الحياة-17 تعبيرا لشيء مما أرى فيه













